الشريف الرضي
359
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
ووجه آخر ، وهو أن يكون المراد بذلك ما يرسل به تعالى الملائكة : من عقوبات الأمم وتحمل الوحي إلى الرسل ، إذ كانت الملائكة لا يعصون أمره ، ولا يخالفون حكمه مباينين بذلك سائر من خلقه ، لقوله تعالى فيهم : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ 1 ] ، فأخبر تعالى عن علمه بهم وعن وجوه [ 2 ] كل ما يأمرهم بفعله ، خلاف غيرهم . ووجه آخر ، وهو أن يكون المراد بذلك أن كل امر من أموره تعالى : من مخبرات الاخبار ووعد الأبرار ووعيد الفساق والكفار ، على ما أخبر به تعالى . ووجه آخر ، قيل : ( إن معنى ذلك وكان مأمور الله مفعولا اي : الذي يأمره بقوله : ( كن ) فيكون . ونظير كون الامر ههنا بمعنى المأمور كون العلم في موضع آخر بمعنى المعلوم ) . وهذا الوجه ضعيف فاسد ، وذلك انا لا نقول إن الله تعالى يخاطب ما يريد خلقه بقوله تعالى : ( كن ) ، لأنه في تلك الحال معدوم والمعدوم لا يخاطب ، وإنما قال تعالى ذلك على طريق المجاز دالا به على سرعة خلقه للأشياء من غير إبطاء بخلقها ولا استعمال للروية فيها ، ومذهب أهل اللسان في مثل ذلك معلوم ، وما قيل من الاشعار فيه معروف مشهور ، وقد تقدم في كتابنا هذا من ذكر ذلك ما فيه غنى ومقنع . ومما يبين ما ذكرنا ، أن الامر غير المأمور به ، ( فان امر ) [ 3 ]
--> ( 1 ) التحريم : 6 . ( 2 ) وفي ( خ ) : وجه ، ولعل الأصوب مما في النسخ ( وجود ) . ( 3 ) وفي ( خ ) : فأمر .